Friday, 26 April 2013

حديث الرجل الصالح

حديث الرجل الصالح ..

هو رجل مغربي منقطع للعبادة في جبل .
لم يشأ أن يذكر إسمه و لا مكانه . .

هو عبد الله في أرض الله .

يلبس برداً من الصوف ، و يجلس على الأرض بغير فراش ، و يتوسد الحجر . .
و ما رأيت معه إلا بعض كتب مخطوطة . . و ما رأيته ضاحِكاً . . و ما رأيته رافعاً بصره في طريق .

يكسب حياته من غزل الصوف .
و لا يأكل إلا بضع ثمرات . . فإذا إرتحَل . . فأعشاب الطريق زاده . . و هو مُورِد الوجه يفيض صحة و إشراقاً .

قال لي :
أكثِر من صُحبة الصالحين فإن فيهم الشفعاء .

قلت له :
و من هم الصالحون ؟

قال :
لباسهم ما ستر .. و طعامهم ما حَضَر .. أبرار ، أخفياء ، أتقياء . . إذا غابوا لم يُفتَقَدوا و إذا حَضروا لم يُعرَفوا . . تحابوا في روح الله على غير أموال و لا أنساب . . يتعارفون في الله ، و يُحِبون في الله ، و يكرهون في الله .
يقول الله عنهم يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي . . اليوم أُظِلُهم في ظِلّي يوم لا ظِل إلا ظِلّي .

قلت له :
هل لهم وجود في هذه الأيام ؟

قال :
خَلَت الديار ، و بَادَ القوم ، و ارتحل أرباب السهر ، و بقي أهل النوم ، و استَبدَلَ الزمان بآكِلي الشهوات أهل الصوم . . لم يبق إلا أقزام مهازيل ، حُثالة كحُالة الشعير أمثالنا لا يبالي الله بهم .

قلت له :
ما رأيك في أهل هذا الزمان ؟

قال في حسرة :
إعترفوا بالله و تركوا أمره ، و قرءوا القرآن و لم يعملوا به ، و قالوا نحب الرسول و لم يتبعوا سنته ، و قالوا نُحب الجنة و تركوا طريقها ، و قالوا نكره النار و تسابقوا إليها ، و قالوا إبليس لنا عدو و أطاعوه ، و دفنوا أمواتهم و لم يَعتبِروا بهم ، و اشتغلوا بعيوب إخوانهم و نسوا عيوبهم ، و جمعوا المال و نسوا الحساب ، و بنوا القصور و نسوا القبور .
لقد كنا في زماننا نحلم بالحج إلى مكة و القُدس و الموت بهما . . و أنتم جاءتكم فرصة الشهادة إلى بابكم بالقدس . . فماذا فعلتم ؟؟

و لم أجد كلمة أُجيبُه بها .

أما هو فراح يبكي و يُغمغِم بين دموعه .
و اللهِ لولا عِباد رُكَّع ، و صبية رُضَّع ، و بهائم رتع لصب عليكم العذاب صبّا .

و حينما تركته كان قد بدأ يُنشِد :

و شمس على المعني مطالع أفُقِها * * * * فمغربها فينــا و مشرقها مِنّـــا

و حينما كانت نغمات انشاده تذوب في الهواء كانت ذاكرتي تعود بي إلى لقائي بالمتصوِّف الهندي براهما وأجيسوارا الذي رويت حديثه في كتابي " الخروج من التابوت " . . و لا أدري لماذا أحسست أني أمام نفس الرجُل . .

كان كلاهما يقول كلاماً واحداً ، و يتكلم نفس اللغة ، و كأنما يجلسان على مائدة واحدة . . و يقرآن من نفس الكتاب .

و تذكرت حديثي مع المتصوف المغربي ، عبد العزيز بن عبد الله . . و كيف كان يقول لي إن التصوف الهندي هو الذي أخذ منا و لم نأخذ منه و إن تُجّار بابل و فارس و علماءها كانوا ينقلون دياناتنا الشرقية إلى الهند من أيام إبراهيم الخليل ، بدليل دخول الكلمات العربية في الكلمات السنسكريتية ..

لقد كُنا نُعطي دائماً . .
و لقد أخذ مِنا الكل . .
و احتوت دياناتنا على الحق كله . .
و التصوف الإسلامي إحتوى بين دَفتيّهِ على كل الطرائق بما فيها البوذية و اليوجا .

كنت أسير مستغرقاً في التفكير . . و كان إنشاد الفقير المغربي ما زال يرِن في أُذُني :

و شمس على المعني مطالع أفُقِها * * * * فمغربها فينــا و مشرقها مِنّـــا

نعم . . إن الشمس تغرُب فينــا الآن . .

فمتى يكون مشرِقهــا مِنّـــا ؟ ؟ . .


د. مصطفى محمود . .
من كتـــاب / مـغـامــرة في الصـحـــــراء

No comments:

Post a Comment